أبي الفرج الأصفهاني
92
الأغاني
حجّ معاوية حجّتين في خلافته ، وكانت له ثلاثون بغلة يحجّ عليها نساؤه وجواريه . قال : فحجّ في إحداهما فرأى شيخا [ 1 ] يصلَّي في المسجد الحرام عليه ثوبان أبيضان ، فقال : من هذا ؟ قالوا : سعية بن غريض ، وكان من اليهود ، فأرسل إليه يدعوه ، فأتاه رسوله فقال : أجب أمير المؤمنين ؛ قال : أوليس قد مات أمير المؤمنين ! قيل : فأجب معاوية ؛ فأتاه فلم يسلَّم عليه بالخلافة ؛ فقال له معاوية : ما فعلت أرضك التي بتيماء ؟ قال : يكسى منها العاري ويردّ فضلها على الجار ؛ قال : أفتبيعها [ 2 ] ؟ قال : نعم ؛ قال : بكم ؟ قال : بستّين ألف دينار ، ولولا خلَّة أصابت الحيّ لم أبعها ؛ قال : لقد أغليت ! قال : أما لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستمائة ألف دينار ثم لم تبل [ 3 ] ! قال : أجل ، وإذ بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك يرثي [ به ] [ 4 ] نفسه ؛ فقال : قال أبي : / يا ليت شعري حين أندب هالكا ماذا تؤبّنني به أنواحي أيقلن لا تبعد [ 5 ] ، فربّ كريهة فرّجتها بشجاعة [ 6 ] وسماح ولقد ضربت بفضل مالي حقّه عند الشّتاء وهبّة الأرواح ولقد أخذت الحقّ غير مخاصم ولقد رددت الحقّ غير ملاحي وإذا دعيت لصعبة سهّلتها أدعى بأفلح مرّة ونجاح فقال : أنا كنت بهذا الشعر أولى من أبيك ؛ قال : كذبت ولؤمت ؛ قال : أما كذبت فنعم ، وأمّا لؤمت فلم ، قال : لأنك كنت ميّت الحقّ في الجاهلية وميّته في الإسلام ، أمّا في الجاهلية فقاتلت النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والوحي حتى جعل اللَّه [ عزّوجلّ ] [ 7 ] كيدك المردود ، وأمّا في الإسلام فمنعت ولد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الخلافة ، وما أنت وهي ! وأنت طليق [ 8 ] ابن طليق ! فقال معاوية : قد خرف [ 9 ] الشيخ فأقيموه ، فأخذ بيده فأقيم . / وسعية هذا هو الذي يقول : صوت يا دار سعدى بأقصى [ 10 ] تلعة [ 11 ] النّعم حيّيت دارا على الإقواء والقدم وما بجزعك إلا الوحش ساكنة وهامد من رماد القدر والحمم
--> [ 1 ] كذا فيء ، ط و « الإصابة » لابن حجر طبع مصر ج 3 ص 167 ، وفي سائر الأصول : « شخصا » . [ 2 ] كذا في ب ، س ، وفي أ ، م : « أتبيعها » . [ 3 ] كذا في أكثر الأصول . وفيء ، ط : « لم تبال » وكلاهما صحيح تقول : « لم أبال » وهو الأصل « ولم أبل » حذفت منها الياء تخفيفا ، ونزلت اللام منزلة النون من يكن فسكنت للجازم وحذفت الألف لالتقاء الساكنين . [ 4 ] زيادة فيء ، ط . [ 5 ] كذا في أكثر الأصول . وفيء ، ط : « لا يبعد » بالياء . [ 6 ] كذا في أكثر الأصول . وفي ب ، س : « ببشارة » وقد تقدّمت هذه الرواية في ص 129 من هذا الجزء . [ 7 ] الزيادة عنء ، ط . [ 8 ] أي من الطلقاء وهم الذين حاربوا النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من قريش وآذوه ، فلما غلبهم عام الفتح خطبهم فقال : « يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم ؟ » قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » ( انظر « سيرة ابن هشام » ص 821 طبع أوروبا ) . [ 9 ] كذا في أكثر الأصول . وفيء ، ط : « خرق » بالقاف . [ 10 ] فيء ، ط و « ياقوت » : « بمفضي » . [ 11 ] تلعة النعم : موضع بالبادية استشهد له « ياقوت » بهذا البيت .